إمبراطورية البيانات: سلطة المعلومات وهيمنتها- قراءة تاريخية وتقنية في كتاب

إمبراطورية البيانات: كيف تحولنا من "تسجيل الأيام" إلى "التحكم في البشر"؟

نشر في: الأنصاري للتقنية | قراءة تاريخية وتقنية في كتاب "Data Empire"

هل تساءلت يوماً متى بدأت "إمبراطورية البيانات" التي تحكم عالمنا اليوم؟ قد نظن أن خوارزميات التنبؤ، وقواعد البيانات البيومترية، والذكاء الاصطناعي هي اختراعات حديثة ولدت مع ثورة الهواتف والإنترنت [1]. لكن الحقيقة التي تكشفها المؤرخة روبيكا ريسام تأخذنا في رحلة عميقة تمتد لأكثر من 65,000 عام؛ لتكشف لنا أن البشر لطالما كانوا "فصيلة البيانات" (The Data Species) [2-4]. إن ميلنا البشري لإنشاء البيانات واستخدامها لتوجيه القرارات هو المحرك الحقيقي للحضارة منذ بدايتها [3, 4].

1. البداية: الفن كمعلومات وقوانين الطبيعة الأولى

قبل آلاف السنين من اختراع الكتابة، كان البشر يراقبون عالمهم ويسجلون ما يرونه على العظام والأحجار لحفظ الذاكرة وضمان البقاء [5].

  • جداريات كهف لاسكو (فرنسا): يحتوي هذا الكهف على أكثر من 600 لوحة جدارية للحيوانات تعود لعام 15,000 قبل الميلاد [6]. هذه اللوحات مغطاة بنقاط وخطوط ورموز على شكل حرف (Y) [6]. وفي عام 2023، كشفت الأبحاث الإحصائية أن هذه الرموز تشفر الأشهر القمرية ودورات تكاثر الحيوانات لمساعدة البشر على معرفة أفضل أوقات الصيد [6]. لقد كان هذا "الفن كمعلومات" [7].
  • أدوات الحساب الأولى: تعد "عظمة ليبومبو" (Lebombo Bone) في جنوب إفريقيا - وهي عظمة بابون عمرها 43,000 عام تحتوي على 29 حزاً متعمداً - أقدم أداة بشرية معروفة لتسجيل الوقت وحفظ البيانات [8]. كما تم العثور على عظمة ذئب في التشيك تعود للعصر الحجري القديم تحتوي على حزوز لتسجيل دورة قمرية مزدوجة [8]، وعظام أخرى في الكونغو تعود لـ 20,000 عام قد تكون استخدمتها النساء لتتبع دورتهن الشهرية [8]. كل هذه كانت أدوات ذكية لتنظيم سبل العيش [9].

2. التحول الخطير: من "تذكر الأحداث" إلى "تسجيل النقاط"

في البداية، كانت البيانات تخدم المجموعة لتقليل عدم اليقين: متى نصطاد؟ متى نزرع؟ متى نهاجر؟ [5, 10] ولكن بمجرد أن أصبحت السجلات قادرة على العيش لفترة أطول من البشر الذين صنعوها، حدث التحول الكبير؛ إذ تعلم أولئك الذين سيطروا على الطبيعة من خلال تسجيلها كيف يسيطرون على البشر أيضاً [1]. تحولت الرموز إلى دفاتر ضرائب، وصكوك ديون، وقواعد بيانات لتنظيم العمل والسيطرة على البشر [1, 11].

3. شيفرات الحضارات القديمة: من الخيوط إلى الطين

ابتكرت كل حضارة أسلوبها الخاص في تدوين ومعالجة البيانات:

  • خيوط الكيبو (Quipus) في بيرو: في الألفية الرابعة قبل الميلاد، ابتكرت حضارة "كارال-سوبي" نظاماً ثلاثي الأبعاد لتسجيل البيانات باستخدام خيوط قطنية ملونة وعقد دقيقة [12, 13]. باستخدام نظام عد عشري، كانت المسافات، وسُمك الخيوط، وأنواع العقد تشفر كميات الغذاء، والضرائب، والالتزامات المشتركة [12, 14]. لقد كانت البيانات تُلمس وتُقرأ بالأصابع [14, 15].
  • ألواح الطين في سومر: في بلاد الرافدين، كان الكتبة يتدربون لسنوات لإتقان الكتابة المسمارية لتوثيق التسليمات والمعاملات [16, 17]. ومن المثير للاهتمام أن أقدم اسم موثق لشخص في التاريخ البشري ليس لملك أو كاهن، بل هو لـ "كوشيم" (Kushim)، وهو محاسب في مدينة "أوروك" السومرية كان يوقع ألواح الطين لتأكيد كميات الشعير والماشية [17].

4. وثائق الإقصاء: عندما يتحول الإنسان إلى مجرد "قيد"

مع نمو الإمبراطوريات، تحولت الكتابة والتدوين إلى تكنولوجيا للإقصاء والسيطرة [18]. في مصر القديمة، كان الكتبة يحظون بمكانة مرموقة للغاية ويُعفون من العمل الشاق (كن كاتباً! سيكون جسدك ناعماً ويدك طرية) [19]. لكن هؤلاء الكتبة كانوا يسجلون الناس كأرقام فقط لتسهيل جباية الضرائب وحشد الجيوش [20, 21]. لقد صاغت الكاتبة هذه الحقيقة ببراعة قائلة: "عندما كتبت الدولة، حولت معظم الأرواح من قصص حية إلى مجرد قيود ورقية" [22]. وفي ألواح الطين السومرية، كان يتم اختزال العمال والعبيد إلى أرقام صامتة ("ثلاثة عبيد") [23, 24]. لقد كان التدوين وسيلة لفرز وتصنيف البشر والسيطرة عليهم [24].

خلاصة تقنية لمدونة "الأنصاري للتقنية":

نحن اليوم لا نعيش في عالم منفصل عن هذا الماضي؛ فالخوادم السحابية العملاقة هي النسخة الحديثة من غرف الألواح الطينية في أوروك، وبصماتنا الرقمية هي خيوط "الكيبو" الجديدة التي نتركها خلفنا [25, 26]. إن التحدي التقني والسياسي الحقيقي في عصرنا ليس في كيفية جمع المزيد من البيانات، بل في كيفية السيطرة على هذه الأنظمة قبل أن تحكمنا بالكامل وتتحول البيانات من أداة لخدمة البشرية إلى إمبراطورية جديدة للسيطرة الرقمية [26, 27].

تعليقات